الشيخ محمد هادي معرفة

251

التفسير الأثرى الجامع

يوم السبت صارت صيدا كسائر الأيّام ، فهو قوله : وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ « 1 » . ففعلت الحيتان ذلك ما شاء اللّه ؛ فلمّا رأوها كذلك طمعوا في أخذها وخافوا العقوبة ، فتناول بعضهم منها فلم تمتنع عليه ، وحذر العقوبة التي حذّرهم موسى من اللّه تعالى . فلمّا رأوا أنّ العقوبة لا تحلّ بهم عادوا وأخبر بعضهم بعضا بأنّهم قد أخذوا السمك ولم يصبهم شيء ، فكثروا في ذلك وظنّوا أنّ ما قال لهم موسى كان باطلا ، وهو قول اللّه جلّ ثناؤه : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ يقول لهؤلاء الّذين صادوا السمك ، فمسخهم اللّه قردة بمعصيتهم ، يقول : إذا لم يحيوا في الأرض إلّا ثلاثة أيّام ، ولم تأكل ، ولم تشرب ، ولم تنسل ، وقد خلق اللّه القردة والخنازير وسائر الخلق في الستّة الأيّام التي ذكر اللّه في كتابه ، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة ، وكذلك يفعل بمن شاء كما يشاء ، ويحوّله كما يشاء . [ 2 / 2321 ] وروى ابن حميد بالإسناد إلى ابن عبّاس ، قال : إنّ اللّه إنّما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم يوم الجمعة ، فخالفوا إلى السبت فعظّموه وتركوا ما أمروا به ، فلمّا أبوا إلّا لزوم السبت ابتلاهم اللّه فيه ، فحرّم عليهم ما أحلّ لهم في غيره . وكانوا في قرية بين أيلة والطور يقال لها « مدين » ، فحرّم اللّه عليهم في السبت الحيتان صيدها وأكلها ، وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرّعا إلى ساحل بحرهم ، حتّى إذا ذهب السبت ذهبن ، فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا . حتّى إذا كان يوم السبت أتين إليهم شرّعا ، حتّى إذا ذهب السبت ذهبن . فكانوا كذلك ، حتّى إذا طال عليهم الأمد وقرموا « 2 » إلى الحيتان ، عمد رجل منه فأخذ حوتا سرّا يوم السبت فخزمه بخيط « 3 » ، ثمّ أرسله في الماء ، وأوتد له وتدا في الساحل ، فأوثقه ثمّ تركه . حتّى إذا كان الغد جاء فأخذه ؛ أي إنّي لم آخذه في يوم السبت ! ثمّ انطلق به فأكله . حتّى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك . ووجد الناس ريح الحيتان . فقال أهل القرية : واللّه لقد وجدنا ريح الحيتان . ثمّ عثروا على ما صنع ذلك الرجل « 4 » . قال : ففعلوا كما فعل ، وأكلوا سرّا زمانا طويلا لم يعجل اللّه عليهم بعقوبة حتّى

--> ( 1 ) الأعراف 7 : 163 . ( 2 ) القرم : شدة الشهوة إلى اللحم . ( 3 ) خزمه : شكّه وثقبه . ( 4 ) عثروا عليه : أطلعوا عليه .